أحمد بن علي القلقشندي

217

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الحمد للَّه الَّذي خصّ بعزائمنا معاقل الإسلام وحصونه ، وبصّرنا باختيار من نرتّبه في كلّ معقل منها من أمجاد الأمراء ليحفظه ويصونه ، وجعلها بعنايتنا روضا تجتلي أبصار الأولياء من بيض صفاحنا نوره وتجتني من سمر رماحنا غصونه ، وعوّذها من آيات الحرس بما لا تزال حماتها وكماتها يروون خبره عن سيفنا المنتضى لحفظها ويقصّونه . نحمده على نعمه الَّتي أعلت بنا بناء الممالك ، وحاطتها من نبل مهابتنا ، بما لو تسلَّلت بينه الأوهام ضاقت بها المسالك ، وصفّحتها من صفاح عنايتنا ، بما يحول برقه بينها وبين ما يستر طيف العدا من الظَّلام الحالك ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تعصم من أوى إلى حرم إخلاصها ، وتنجي غدا من غدا من أهل تقريبها واختصاصها ، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الَّذي أضاءت ملَّته ، فلم تخف على ذي بصر ، وعلت شرعته ، فغدا باع كلّ ذي باع عن معارضتها ذا قصر ، وسمت أمّته ، فلو جالدها معاد أوبقه الحصر أو جادلها مناو أوثقه الحصر ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين كانت معاقلهم صهوات جيادهم ، وحصونهم عرصات جلادهم ، وخيامهم ظلال سيوفهم ، وظلالهم أفياء صعادهم ، صلاة لا يزال الإخلاص لها مقيما ، والإيمان لها مديما ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ أولى الحصون الإسلامية بأن تحوط عنايتنا أركانه ، وتتعاهد رعايتنا مكانه ، وتلاحظ مهابتنا أحواله فتحلَّيها ، وتشاهد أوامرنا قواعده فتشيّدها بجميل النّظر وتعليها ، وتحول سطواتنا بين آمال الأعداء وتوهّمه ، وتحجب مخافة بأسنا أفكار أهل العناد عن تأمّل ما في الضّمير وتوسّمه - حصن انعقد الإجماع على انقطاع قرينه ، وامتناع نظيره فيما خصّه اللَّه به من تحصينه ؛ فهو فرد الدّهر العزيز مثاله ، البعيد مناله ، المستكنّة في ضمائر الأودية الغوامض بقعته ، المستجنّة بقلل الجبال الشواهق نقعته ، السّائر في أقطار الأرض صيته وسمعته .